أقدم الجنرال المنقلب على القيام ببعض الإجراءات تركت انطباعا وكأن برنامج الحرية السياسية الذي اقترحه حزبنا على الشعب في طريق التحقيق. لنتعرف على حقيقة الأمر.
إن أهم الإجراءات التي تم اتخاذها إلى حد الآن والتي شكلت إحدى المطالب الديمقراطية هي إلغاء محكمة أمن الدولة، وخطة الوكيل العام للجمهورية، وضبط الايقاف التحفظي والاحتفاظ بقانون يحمي المواطن إلى حد ما من "الترنيخ" في محلات البوليس ويمكنه من إقامة الدليل على تعرضه للتعذيب، إن تم ذلك، عن طريق فحص طبي. إلا أن هذه الإجراءات تبقى دون أثر على الحياة السياسية بالبلاد إذا لم تكن متبوعة بإلغاء القوانين الفاشية (قانون الجمعيات، قانون الصحافة..) وتعويضها بأخرى حامية للحريات.
وكما هو معلوم فإن شيئا من هذا لم يحدث، وأن أقصى ما يمكن أن يقوم به سادة "العهد الجديد" كما أعلنوا عن ذلك هو تنقيح قانون الصحافة وإحداث قانون للأحزاب على قياس "الديمقراطية المسؤولة" أي ديمقراطية الجنرالات، وإجراء تنقيحات طفيفة على الدستور لا تمس بجوره.
وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الإجراءات التي تم اتخاذها أو بصدد إعدادها لم تمس بجوهر شكل السلطة الفاشي، بل أفرغت مطالب الحركة الديمقراطية والشعبية وقدمتها على أنها مقومات "العهد الجديد".
يهدف برنامج الحرية السياسية إلى الإطاحة بالفاشية الدستورية وتسكير الباب أمام ربيبتها الظلامية وتغيير شكل السلطة وحل الأحزاب والمنظمات الفاشية وحل مجلس النواب، وإجراء انتخابات تشريعية وبلدية ورئاسية سابقة لأوانها. وتحوير الدستور بما يضمن الحرية السياسية للشعب. هذا إلى جانب الإجراءات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحسن من أوضاع الكادحين الحياتية وغيرها، وتخفف على الشعب وطأة الاستغلال والاضطهاد، وتصون خيرات بلاده من النهب الامبريالي، وتحمي وطنه من التدخل في شؤونه. هل تحققت بذرة من هذا البرنامج؟ كلا ! والسبب واضح وهو أن الطبقة العاملة والشعب الكادح لم يفرضا هذه الأهداف بالنضال العنيد ضد الفاشية فأجبرت إما على التنحي وإما على التراجع. لكن ما جرى كان عكس ذلك تماما، حدث بفعل صراع الكتل المتصارعة على الخلافة، في وقت كانت فيـه الحركة الشعبية في حالة جزر عميقة وسائر القوى الديمقراطية والثورية منكمشة على ذاتها، محدودة التأثير وهجوم الفاشية الحاكمة على أشده والصراع الدستوري الإخوانجي دخل طوره الإرهابي.
وإذا كانت الطبقة العاملة والشعب غائبين فهل يعقل أن نتصور أن فريقا من السلطة بقيادة الجنرالات يمكنه أن يحقق أهداف برنامج الحرية السياسية؟ بينما كانت مهمته كما أعلن عنها زين العابدين بن علي نفسه تتمثل في وضع حد للسباق حول الخلافة وإعادة هيبة الدولة والقضاء على التسيب، ودعا الجميع إلى الانضباط، والانكباب على العمل وتحسين الانتاج والانتاجية.
يجب علينا أن ننظر للخطاب الرسمي من زاوية برنامج الحرية السياسية الذي ضبطناه باعتباره يمثل المطالب الدنيا التي تحسن أوضاع الشعب. وينبغي علينا أيضا أن نفرق بين الدعاية التضليلية التي يحيط بها "العهد الجديد" نفسه وبين ما يقوم به من إجراءات فعلية.
إن أي متتبع فطن –إلى حد ما- لتطور الأوضاع السياسية في بلادنا يلاحظ بدون عناء أن حكم الجنرالات ليس على استعداد ولو ظرفيا لمحو آثار العهد البورقيبي فرفض إصدار عفو تشريعي عام وعوضه بعفو رئاسي خاص سرح بمقتضاه 608 من "الإخوان" و18 من "حزب التحرير الإسلامي"، واللصوص الذين أفلست على أيديهم شركات عمومية، وأبقى على مناضلي الحرية في السجون ولم يسعف بهذه المناسبة إلا المناضل حمادي بن يحيى بعد أن قضى 5 سنوات في السجن ظلما، والرفيق فتحي العوني من مجموعة قابس.
إن العفو الخاص ورقة مساومة في يد الجنرال هو بصدد استعمالها تجاه "الإخوان"، وهو ليس على استعداد للتفريط فيها.
كما أنه لم يقدم على حل المسألة النقابية ولم يرجع الاتحاد إلى الشرعيين وما زال يغلق الأبواب أمام الطلبة لإعادة بناء منظمتهم النقابية السليبة منذ انقلاب قربة لعام 1971، ويواصل عسكرة الجامعة. ولم يتقدم خطوة جادة في هذا الشأن باستثناء رفع الإقامة الجبرية عن الحبيب عاشور والسماح للنقابيين الشرعيين بالاجتماع في منازلهم أو في المقاهي لإصدار بيانات مساندة لحركة 7 نوفمبر، ورفع بعض المطالب، وسراح الطلبة المجندين، والسماح بالعودة لانتخاب العمداء بعد أن أقر مبدأ التعيين.
هذه هي حدود الإجراءات السياسية التي أقدم عليها ساسة "العهد الجديد" وهي ليست دون برنامج الحرية السياسية فحسب بل وأيضا دون المطالب الملحة. أما عن الإجراءات الاقتصادية والاجتماعية فإن الحاكمين الجدد أعلنوا على رؤوس الملإ أن برنامجهم الاقتصادي يتمثل في العمل على تطبيق "مخطط الإنقاذ"، ويعني تحميل أعباء الأزمة كاملة للشعب وفتح الباب على مصراعيه أمام رأس المال (المحلي والأجنبي) لمواصلة هجومه على ظروف عمل وعيش الكادحين.
فهل من مقابلة ولو طفيفة بين إجراءات الجنرال وبين برنامج الحرية السياسية؟ كلا، وكل ما قام به هذا الأخير، هو إضفاء مسحة من "الجمل الديمقراطية" الشكلية، الأمر الذي يسمح له بتمرير الدكتاتورية الفاشية المزدوجة العسكرية-الدستورية تحت قناع "الديمقراطية المسؤولة".
وقد تمكن من تشريك كافة أحزاب المعارضة الرسمية بما في ذلك "إخوان الظلام"، والبيروقراطية النقابية في هذا العمل المشؤوم. وهو ما سيجعل مهمتنا ومهمة كافة الديمقراطيين والثوريين الصادقين أصعب لكشف الخدعة، كما كان الأمر تقريبا مع سياسة "التفتح" ورفع القناع لا يمكن أن يحصل بالشعارات الثورية أو بالتأكيد على طبيعة الانقلاب والمنقلبين، وإنما بوضع المطالب الملحة للحركة الديمقراطية والشعبية في المقام الأول، على المحك الذي يمكن الشعب من معرفة حقيقة "الديمقراطية المسؤولة" التي يدعو لها الجنرال، وكافة الواقفين وراءه بما في ذلك الأحزاب الإصلاحية.
إن النضال في سبيل تحقيق أهداف برنامج الحرية السياسية أصبح أكثر تعقيدا من ذي قبل بحكم دور الدعاية المغشوشة التي تقوم بها أجهزة الإعلام وكافة أحزاب المعارضة الرسمية حول "العهد الجديد"، في تضليل الجماهير. لكن مع ذلك توفرت إمكانيات للعمل الواسع أكثر من ذي قبل سواء عبر الصحافة القانونية أو داخل المنظمات الجماهيرية وغيرها، كما توفرت أمامنا إمكانيات لمحاججة السلطة والواقفين إلى جانبها على أساس برنامج الحرية السياسية، لم تكن متوفرة في السابق. وما علينا إلا أن نحسن التدخل في هذه المجالات لتحقيق مكاسب فعلية تساعد الحركة الديمقراطية والشعبية على التقدم بأكثر ثبات.
صوت الشعب، العدد 45، 1 جانفي 1988