الصفحة الأساسية > البديل الوطني > الدكتاتورية تشدد حملتها على الحريات قبل مهزلة أكتوبر القادم
الدكتاتورية تشدد حملتها على الحريات قبل مهزلة أكتوبر القادم
13 أيلول (سبتمبر) 2004

كنا أكدنا في العدد الفارط من "صوت الشعب" أنه كلما اقترب موعد المهزلة الانتخابية المزمع إجراؤها يوم 24 أكتوبر القادم ازداد تضييق الدكتاتورية النوفمبرية على قوى المعارضة واشتد انتهاكها للحريات وحقوق الإنسان بهدف تمرير تلك المهزلة بأخف الأضرار والادعاء بأنها محل "إجماع" من قبل مختلف طبقات الشعب وفئاته. ولقد شهدت المدة الأخيرة جملة من الأحداث جاءت لتؤكد صحة هذا الاستنتاج وتفند أوهام الذين ذهب بهم الظن إلى أن اقتراب موعد "الانتخابات" قد يدفع السلطات إلى القيام ببعض الإجراءات "التنفيسية" وإظهار بعض المرونة في معالجة الأوضاع السياسية المتأزمة. وفي هذا السياق تم "التنبؤ" بإمكانية الاعتراف ببعض الجمعيات وإطلاق سراح المساجين السياسيين أو جزء منهم على الأقل.

ويمكن حوصلة هذه الأحداث في ما يلي:

أولا: حملة على حرية التنظم، بدأت في مطلع شهر جوان الماضي بتوجيه "تحذير" إلى الأحزاب القانونية (الحزب الديمقراطي التقدمي، التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات) من مغبة التعامل مع الأحزاب "غير القانونية، وخصوصا حزب العمال الشيوعي التونسي. ثم تواصلت برفض ولاية تونس يوم 8 جوان تسلّم الملف القانوني للجمعية التونسية لمقاومة التعذيب والاعتداء على الثلاثة من مؤسّسيها الذين تقدموا بالملف ومن بينهم رئيسة الجمعية الأستاذة راضية النصراوي. وتلا ذلك رفض الاعتراف بالجمعية التونسية للدفاع عن المساجين السياسيين يوم 21 جوان بعد أن كان البعض رأى في منح مؤسسيها وصل الإيداع مؤشرا لإمكانية الاعتراف بها. ثم جاء منع عقد مؤتمر التجمع من أجل بديل عالمي للتنمية الذي استضافت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان افتتاحه بمقرها يوم 27 جوان. وقد كان البوليس السياسي أوقف يوم 24 جوان رئيس هذه الجمعية الجامعي فتحي الشامخ لـ"تحذيره". كما استجوب البوليس السياسي كلاّ من أحمد الخصخوصي المنسق العام لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين الذي لــم يلتحق بـ"المصالحة" (25 جوان) وحمه الهمامي الناطق باسم حزب العمال الشيوعي التونسي (10 جويلية) وشكري لطيف الكاتب العام للجمعية التونسية لمقاومة التعذيب (10 جويلية) وتمت دعوتهم جميعهم إلى وضع حد لأنشطتهم "غير القانونية". وفي نفس الفترة شملت التضييقات بعض أنشطة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان المتعلقة خاصة بحرية التنظم (منع ندوة صفاقس حول حرية التنظم يوم 27 جوان). حاصر البوليس السياسي يوم 16 جويلية منزل الأستاذ جلول عزونة رئيس رابطة الكتاب الأحرار لمنع إجراء الاحتفال السنوي الذي تنظمه بمناسبة ذكرى انبعاثها، بدعوى أن الرابطة "غير مرخص فيها". وفي يوم 16 أوت استدعت وزارة الداخلية رئيس نقابة الصحفيين التونسيين لطفي حجي وكاتبها العام محمود الذوادي وأعلمهما المدير العام للشؤون السياسية الحبيب حريز بأن نشاط جمعيتهما "غير قانوني". وفي نفس الفترة منعت "الجمعية الدولية للدفاع عن المساجين السياسيين" من عقد جلستها العامة لنفس السبب.

ثانيا: حملة على حرية التعبير والاجتماع. وقد طالت الضغوط والمضايقات جريدة الموقف التي تنشر بصفة قانونية. فقد طالبتها وزارة الداخلية بأن تكف عن نشر أخبار الأحزاب "غير المعترف بها" (المقصود: حزب العمال الشيوعي التونسي) وعن نقد الحزب الحاكم والتشهير باستفتاء 26 ماي 2002 المهزلة. أي أن تكف عن نشر كل ما يحرج السلطة. كما تمت محاصرة بيع الجريدة برفعها من عند الباعة حال توزيعها عليهم وإعادتها إليهم مباشرة قبل صدور العدد الموالي لترجع إلى أصحابها ضمن "الكميات غير المباعة". ولم تتردد السلطات في منع "حركة التجديد" من توزيع بيان سياسي (جوان) يحلل الوضع العام ويشرح أسباب مشاركة هذه الحركة في الانتخابات الرئاسية والتشريعية، بدعوى أن هذا البيان يندرج ضمن "الحملة الانتخابية التي لم تحن بعد" بينما وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية تقوم بالحملة لفائدة بن علي وحزبه على مدار السنة. كما أن صور بن علي العملاقة تملأ جـدران بعض الأماكن العمومية البارزة مرفوقة بدعوات إلى "تجديد الولاء له في أكتوبر 2004". وإلى ذلك يمنع حزب العمال من إصدار جريدته ومنشوراته بصفة قانونية، كما يمنع على الصحف حتى ذكر اسمه والإشارة إلى مواقفه. ولم يتوقف الأمر عند خنق الأصوات في الداخل فقد تمكنت السلطة بطرق ملتوية من إيقاف قناة "الحوار" التي ركزت منذ مدة حصصها على موضوع الانتخابات. وفي نفس السياق وضعت السلطة عراقيل عديدة أمام أحزاب وجمعيات معترف بها لمنعها من عقد اجتماعات في فضاءات عمومية لشرح مواقفها من قضايا محلية أو عربية. ومن بين المهازل التي حصلت نذكر الاجتماع الذي نظمه "أصحاب المبادرة" في القصرين بدار الثقافة حيث وجدوا القاعة "محلاة" بصور بن علي كتب عليها "المرشح الوحيد لانتخابات 2004". ولما حاول المعنيون الاحتجاج على ذلك أجابهم المسؤولون عن الدار بأن "بن علي هو رئيس الجميع". وقد طالت الضغوط خلال الفترة الأخيرة حتى جمعية القضاة التي يعسر على أي كان اتهامها بمعارضة النظام وبـ"التطرف". فقد مُنعت في شهر أوت من عقد ندوة صحفية لشرح مطالب منظوريها المادية والمعنوية والتي يوجد من ضمنها مطلب "ضمان استقلالية القضاء". وأخيرا وليس آخرا لا بد من الإشارة إلى القانون الذي سنه برلمان الدكتاتورية في شهر جويلية المنقضي بعنوان "حماية المعطيات الشخصية" والذي يمثل تلجيم أفواه التونسيين ومنعهم من التشهير بجرائم الفساد التي يفبركها المقربون من القصر أحد أهدافه الأساسية.

ثالثا: مزيد التضييق على السجناء السياسيين وانتهاك حقوقهم وكرامتهم. وقد تجلى ذلك بشكل خاص في الاعتداء الفظيع الذي تعرض له السجين السياسي نبيل الواعر ببرج الرومي حيث اُغتصب من قبل مجرمي حق عام بإشراف من مدير السجن وأحد مساعديه عقابا له على احتجاجه المتواصل على ظروف اعتقاله منذ 13 سنة ومطالبته بتحسينها. ومما يؤكد أن ما حصل ليس فعلة معزولة بل أمرا يندرج في نطاق سياسة مبيتة تهدف إلى تدمير السجناء السياسيين، ملازمة السلطات الصمت حيال هذه الجريمة الشنيعة رغم حملة الاستنكار الداخلية والخارجية والضغوط المسلطة على الضحية كي يتراجع في الشكوى التي رفعها ضد المعتدين عليه أمرا وتنفيذا. وقد تزامن ما تعرض له نبيل الواعر مع اعتداءات أخرى وسوء معاملة استهدفت عددا من السجناء السياسيين علاوة على تعمد السلطات مواصلة حجز البعض منهم رغم انتهاء مدة عقوبته. ومن الملاحظ أيضا أن البوليس السياسي كثّف مراقبة قدماء المساجين السياسيين من مختلف النزعات الفكرية والسياسية وعمد إلى استدعاء العديد منهم إلى مراكز الحرس والبوليس لاستجوابهم حول حياتهم اليومية و"تطورهم الفكري والسياسي" وتذكيرهم بأنهم دائما تحت المراقبة. وبطبيعة الحال فإن هذه الحملة على قدماء المساجين السياسيين إنما تهدف إلى ترهيبهم حتى لا يتحركوا بمناسبة المهزلة الانتخابية. وتجدر الملاحظة أن المراقبة البوليسية تكثفت بشكل عام في كافة أنحاء البلاد بهدف "تأطير" حركة المواطنين.

رابعا: محاكمة شبان جرجيس أمام إحدى الدوائر الاستئنافية للمحكمة الجنائية بتونس. وقد سلط على هؤلاء الشبان حكم بـ13 سنة سجنا. وقد كشفت هذه المحاكمة (شأنها شأن محاكمة أريانة التي شملت شبانا راموا السفر إلى فلسطين للمشاركة في "الجهاد" ضد العدو الصهيوني ونالوا 16 سنة سجنا لكل واحد منهم) استخدام الدكتاتورية النوفمبرية لما يسمى بـ"مكافحة الإرهاب" على الصعيد الدولي لفبركة قضايا ضد شباب مهمش لتبرير قمع الحريات وانتهاك حقوق لإنسان وكسب رضاء الإدارة الأمريكية ودعمها السياسي والمالي والعسكري. كما كشفت مرة أخرى التبعية المطلقة للقضاء التونسي للسلطة التنفيذية. فهيئة المحكمة حكمت بناء على ملف خاو لا توجد به أي حجة تؤكد الجرائم المنسوبة إلى الموقوفين ولم تلبّ أي طلب من طلبات الدفاع ولم تستمع إلى صرخات "المتهمين" مما تعرضوا له من تعذيب وحشي. وقد كانت الرسالة واضحة وهي أن الفريق النوفمبري لا راد له للدفاع عن مصالحه وفرض الصمت من حوله.

كل هذه العناصر مؤشرات للأجواء التي ستجري فيها مهزلة أكتوبر القادم. وهي تبين أنه من الوهم الاعتقاد بأن بن علي وفريقه يفكران في اتخاذ أي من الإجراءات التي من شأنها أن تحسن المناخ السياسي، بل على العكس من ذلك فإن ما يقودهما هو تشديد الضغط والقمع على الشعب وعلى قـوى المعارضة الديمقراطية وعدم التفريط لهما في أي شبر من الفضاء العمومي حتى لا يستغلانه لتطوير قواهما وتهديد مصالح الأقلية الفاسدة التي تنتفع من وجود الدكتاتورية النوفمبرية والتي لها مصلحة في بقائها وبالتالي في تمرير مهزلة أكتوبر القادم بأخف الأضرار.

إن من يريد أن يبني تكتيكا سليما عليه أن يأخذ بعين الاعتبار هذه الحقيقة ولا يسقط في الأوهام. إن الدكتاتورية النوفمبرية البوليسية لا تملك إلا أسلوبا واحدا في التعامل مع الشعب التونسي وهو أسلوب القمع. ومن هذا المنطلق فإن السبيل الوحيد لمواجهتها هو النضال من أجل تطوير موازين القوى لوضع حد لسيطرتها على مجتمعنا. ولا نخال المشاركة في المهزلة الانتخابية عملا من شأنه أن يساعد على ذلك، بل إنها لن تفيد إلا الدكتاتورية التي لن يزيدها غباء البعض وانتهازية البعض الآخر أو أوهامه إلا صلفا. فهي تقمع وتحاصر ومع ذلك تجد من يحاول إيهام الرأي العام بـ"أن المشاركة في اللعبة خير من البقاء خارجها". إن حزب العمال يدعو كل المناضلين الديمقراطيين النزهاء الذين جرهم هذا الوهم إلى مراجعة موقفهم وتعزيز موقف المقاطعة لعزل الدكتاتورية وأذنابها أمام الرأي العام الوطني والدولي وفتح آفاق جديدة للنضال ضدهما.

نسرين ف.
تونس في أوت 2004



الصفحة الأساسية | خريطة الموقع | البريد الالكتروني